ابن أبي العز الحنفي
294
شرح العقيدة الطحاوية
وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين ، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب ، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة ! وكذلك أنكروا حقيقة التكليم ، كما تقدم ، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم ، في أوائل المائة الثانية فضحّى به خالد بن عبد اللّه القسري أمير العراق والمشرق بواسط ، خطب الناس يوم الأضحى فقال : أيها الناس ضحوا ، تقبل اللّه ضحاياكم ، فإني « 333 » مضحّ بالجعد بن درهم ، إنه زعم أن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى تكليما ، ثم نزل فذبحه . وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين رضي اللّه عنهم ، فجزاه اللّه عن الدين وأهله خيرا . وأخذ هذا المذهب [ عن الجعد ] - الجهم بن صفوان ، فأظهره وناظر عليه ، وإليه أضيف قول : « الجهمية » . فقتله مسلم بن أحوز أمير خراسان بها ، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد ، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون ، حتى امتحن أئمة الإسلام ، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك . وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة ، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلا وموسى كليما ، لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب ، كما قيل : قد تخللت مسلك الروح مني * ولذا سمي الخليل خليلا ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى ، كسائر صفاته . ويشهد لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في « الصحيح » عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم خليل اللّه » « 334 » ، يعني نفسه . وفي رواية : « إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ، ولو كنت [ متخذا ] من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا » . وفي رواية : « إن اللّه اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا » . فبين صلى اللّه عليه وسلّم أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا ، وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق . مع أنه صلى اللّه عليه وسلّم قد وصف نفسه بأنه يحبّ أشخاصا ، كقوله لمعاذ : « واللّه إني
--> ( 333 ) في الأصل : فإنه . ( 334 ) صحيح ، وتقدم نحوه بالحديث ( رقم 126 ) .